ابن أبي الحديد
83
شرح نهج البلاغة
فخرج يسير ، وخرج معه معاوية يودعه ، فقال له معاوية عند وداعه إياه : أوصيك بتقوى الله يا عمرو ، وبالرفق فإنه يمن ، وبالتؤدة فإن العجلة من الشيطان ، وبأن تقبل من أقبل ، وتعفو عمن أدبر ، أنظره فإن تاب وأناب قبلت منه ، وإن أبى فإن السطوة بعد المعرفة أبلغ في الحجة ، وأحسن في العاقبة . وادع الناس إلى الصلح والجماعة ، فإن أنت ظفرت فليكن أنصارك أبر الناس عندك ، وكل الناس فأول حسنا . * * * قال : فسار عمرو في الجيش ، حتى دنا من مصر ، فاجتمعت إليه العثمانية ، فأقام وكتب إلى محمد بن أبي بكر : أما بعد ، فتنح عنى بدمك يا بن أبي بكر ، فإني لا أحب أن يصيبك منى ظفر ، وإن الناس بهذه البلاد قد اجتمعوا على خلافك ورفض أمرك ، وندموا على اتباعك ، وهم مسلموك لو قد التقت حلقتا البطان ، فأخرج منها فإني لك من الناصحين . والسلام . قال : وبعث عمرو إلى محمد مع هذا الكتاب كتاب معاوية إليه ، وهو : أما بعد ، فإن غب الظلم والبغي عظيم الوبال ، وإن سفك الدم الحرام لا يسلم صاحبه من النقمة في الدنيا والتبعة الموبقة في الآخرة ، وما نعلم أحدا كان أعظم على عثمان بغيا ، ولا أسوا له عيبا ، ولا أشد عليه خلافا منك ، سعيت عليه في الساعين ، وساعدت عليه مع المساعدين ، وسفكت دمه مع السافكين ، ثم تظن أنى نائم عنك ، فتأتي بلدة فتأمن فيها وجل أهلها أنصاري ، يرون رأيي ، ويرفضون قولك ، ويستصرخونني عليك . وقد بعثت إليك قوما حناقا عليك ، يسفكون دمك ، يتقربون إلى الله عز وجل بجهادك ، وقد أعطوا الله عهدا ليقتلنك ، ولو لم يكن منهم إليك ما قالوا لقتلك ، الله بأيديهم أو بأيدي غيرهم من أوليائه ، وأنا أحذرك وأنذرك ، فإن الله مقيد منك ، ومقتص لوليه وخليفته بظلمك له ، وبغيك عليه